محمد بن علي الشوكاني

224

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والترجيح معروفة مدونة لا تلتبس على من ترشح للاجتهاد والنظر في المسائل . وبهذا يعرف الصواب ، ومعرفته تستلزم معرفة المصيب ولكن هذا إنما هو في ظن ذلك المجتهد ولم يتعبده الله بزيادة على هذا . فإن انكشف أن ذلك الذي ظنه صوابا هو الصواب في الواقع فقد ظفر هذا المجتهد بالأجرين المذكورين في الحديث ، وإن انكشف أنه خلاف الصواب في الواقع فقد ظفر بأجر . وأما إذا كان الذي أراد أن يعرف المصيب أو الصواب مقلدا فقد كلف نفسه ما لا تبلغ إليه قدرته وتقصر عن إدراكه ملكته ، ومن أين لمن يقر على نفسه بأنه لا يتعقل الحجج بأنه يعرف صوابا أو إصابة ، ولكن ينبغي أن يعلم هذا المقلد بأن بين جنبيه نفسا شريفة وهمة عالية تنازعه إلى مكان لا يرتقي إليه إلا من قطع عن عنقه أطواق التقليد ، وأقبل على علوم الاجتهاد بساعد شديد وناب حديد ، فليقبل على العلوم بكليته ، ويستفرغ فيها وسعه ، فإن بلغ إلى المنزل ظفر بالمنية وفاز بالأمل ، وإن بات [ 43 ] دونه فقد أعذر وأورد في المعالي وأصدر . البحث الثاني من مباحث السؤال الثالث : قوله - عافاه الله - وإذا ثبت عذر المخطئ فهل يعذر مقلده أم لا ؟ والجواب : أنه لم يرد الدليل إلا في خطأ المجتهد ، ولم يأت في تسويغ التقليد حرف واحد من كتاب ولا سنة ، وما يزعمه من سوغ التقليد من أنه دليل على ما زعمه فهو خارج عن ذلك كما يعرفه من يعرف الدليل ، وكيف يستدل به . بل قد ثبت عن الأئمة الأربعة رحمهم الله النهي عن تقليدهم ، وقد أوضحت هذا في مؤلف مستقل سميته " القول المفيد في حكم التقليد " ( 1 ) ولم أدع شيئا مما قاله الناس في هذه المسألة إلا ذكرته ، وتعقبت ما يستحق التعقيب ، وبسط الكلام في ذلك لا يتسع له المقام ولكنه قد يشتغل ذهن المطلع على هذا الجواب بسؤال وهو : ( أن قول يقول ) ( 2 ) ليس في وسع كل أحد من

--> ( 1 ) ( ص 117 وما بعدها ) بتحقيقنا ط 1 . ( 2 ) هكذا في المخطوط ، ولعله صوابه : ( وهو قول من يقول ) .